السيد كمال الحيدري
326
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
وإنّما أدرجناه تحت عنوان الدليل النقلي لأنّه جاء عن طريق النقل ، وأنّ النقل هو الذي أسّس له ، لا أنّه أمر تعبّدىّ . وبذلك فإنّ إدراجه تحت عنوان الدليل النقلي ينطوى على ضرب من التسامح كما سلفت الإشارة . ومع أنّ الدليل العقلي الذي أسّس له القرآن يعدّ دليلًا وافياً في إثبات توحيد الربوبية ووحدة التدبير الألوهى للوجود ، إلّا أنّ ذلك لم يمنع الفكر التوحيدي من إنتاج أدلّة أخرى من خلال قواعد البحث العقلي ، نعرض من بينها لوجهين على نحو الاختصار استكمالًا للصورة المنهجية للبحث . الدليل العقلي الذي سنتعرّض إليه ينطلق من توحيد الخالقية ، فيجعل وحدة الخالق وأنّه واحد لا ثانىَ له ، حدّاً أوسط يتمّ الانتقال منه إلى إثبات وحدة التدبير والربوبية ، بوجهين يمكن عرضهما كما يلي : الوجه الأوّل : يتمثّل أساس الاستدلال فيه إلى أنّ الربوبية والتدبير هما حقيقة مرجعهما إلى الخالقية ، وأنّ الخالقية تعنى الربوبية والتدبير . أمّا توضيحه : فقد مرَّ أنّ ربوبية العالم وتدبيره يعنيان نظم العالم نظماً متقناً يؤدّى إلى إيصاله لكماله المطلوب وتحقّق الغرض المنشود والغاية المترتّبة من وجوده . والسؤال : ألا توجد روابط بين أجزاء الكون وأشياء الوجود ؟ الارتباط واضح جلىّ يلمسه الإنسان بالوجدان . فالإنسان العادي يدرك أنّه لولا الماء لما استطاع أن يعيش ، ولولا الغذاء لما دامت له حياة ، ولولا الجاذبية لما استطاع أن يستقرّ ، وهكذا إلى ملايين الروابط الجليّة والخفيّة . إذن فمعنى التدبير هو إيجاد هذه العلائق والارتباطات بين أشياء الوجود ومكوّناته على نحو خاصّ لبلوغ غاية معيّنة . وحين يكون هذا هو معنى التدبير فكأنّك قلت إنّ الله خلق الأشياء وروابطها بعضها مع بعض ، وإنّما هو التحليل العقلي الذي يقود إلى التجزئة لأغراض تمليها المعرفة . معنى ذلك أنّنا في الحقيقة وخارج نطاق التجزئة العقلية لأسباب معرفية ودراسية لسنا بإزاء وجودين ، الأشياء وروابطها ، بل الأشياء وروابطها شئ واحد .